المقريزي

318

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وقال عاصم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب : لقد أصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله ، ولا أراه يكون بعده مثله ، زيد بن عليّ ، لقد رأيته وهو غلام حدث ، وإنه ليسمع الشيء من ذكر اللّه فيغشى عليه حتى يقول القائل ما هو بعائد إلى الدنيا . وكان نقش خاتم زيد ، اصبر تؤجر أصدق تنج ، وقرأ مرّة قوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد / 38 ] فقال : إنّ هذا لوعيد وتهديد من اللّه . ثم قال : اللهمّ لا تجعلنا ممن تولى عنك فاستبدلت به بدلا . وكان إذا كلمه إنسان وخاف أن يهجم على أمر يخاف منه مأثما ، قال له : يا عبد اللّه أمسك أمسك ، كف كف ، إليك إليك ، عليك بالنظر لنفسك . ثم يكف عنه ولا يكلمه . وقد اختلف في سبب قيام زيد وطلبه الأمر لنفسه ، فقيل أن زيد بن عليّ ، وداود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ، ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، قدموا على خالد بن عبد اللّه القسريّ بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة ، فلما ولي يوسف بن عمر العراق بعد عزل خالد ، كتب إلى هشام بن عبد الملك وذكر له أن خالد ابتاع أرضا بالمدينة من زيد بعشرة آلاف دينار ، ثم ردّ الأرض عليه . فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه ، ففعل . فسألهم هشام عن ذلك ، فأقرّوا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك ، وحلفوا فصدّقهم ، وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا ، فساروا على كره وقابلوا خالدا فصدّقهم وعادوا نحو المدينة . فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم ، وقيل بل ادّعى خالد القسريّ أنه أودع زيدا وداود بن عليّ ونفرا من قريش مالا . فكتب يوسف بن عمر بذلك إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ليجمعهم وخالدا ، فقدموا عليه ، فقال يوسف لزيد : إن خالدا زعم أنه أودع عندك مالا . فقال زيد : كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره ؟ فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة وقال له : هذا زيد قد أنكر أنّك أودعته شيئا . فنظر خالد إليه وإلى داود وقال ليوسف : أتريد أن تجمع إثمك مع إثمنا في هذا ؟ كيف أودعه وأنا أشتم آباءه وأشتمه على المنبر ؟ فقال زيد لخالد : ما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال : شدّد عليّ العذاب فادّعيت ذلك ، وأملت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومك . فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة ، وقيل أن يزيد بن خالد القسريّ هو الذي ادّعى أن المال وديعة عند زيد ، فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفا من شرّ يوسف وظلمه . فقال : أنا أكتب إليه بالكف عنكم وألزمهم بذلك . فساروا على كره ، فجمع يوسف بينهم وبين يزيد فقال يزيد : ليس لي عندهم قليل ولا كثير . فقال له يوسف : أتهزأ بأمير المؤمنين ؟ فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه ، ثم أمر بالقرشيين فضربوا ، وترك زيدا . ثم اتسحلفهم وأطلقهم فلحقوا بالمدينة ، وأقام زيد بالكوفة ، وكان زيد قال لهشام لما أمره